عبد الملك الجويني

186

نهاية المطلب في دراية المذهب

كالمبانة ، وحكمها حكم الجماد والميتة ، وهذه المسألة صوّرها الفقهاء وبنَوْا الحكم على اعتقاد تصوّرها ، وهي ليست متصوَّرة ، فإن ما أبين وفصل لا يلتحم قط في طرد العادة ، وقد يبان البعض فيلتحم ما أبين ، ومثل هذا لو أضيف الطلاق إليه وبعضه مبانٌ غير ملتحم ، فالطلاق يقع مع انقطاع البعض قبل التحامه . ولو أضاف إلى الأخلاط المنسلكة في البدن كالبلغم والمِرّتين ( 1 ) فسبيل الإضافة إليها كسبيل الإضافة إلى فضلات البدن ، وليس كالدّم ؛ فإن به قوام البدن ، وهو مادة خَلَف ما ينحل من الإنسان . 9134 - ومن بقية الكلام في هذا الفصل أنه إذا أضاف الطلاق إلى جزء منفصلٍ أو إلى جزء شائع ، وحكمنا بوقوع الطلاق ، فللأصحاب اختلاف مشهور في تقدير ذلك ، فمنهم من قال : يصادف الطلاق الجزء المعيّن ، أو الشائع ، ثم يسري منه ويستوعب ، كما يسري العتق من النصف . ومنهم من قال : تقديرُ وقوع الطلاق بتنزيل عضو أو جزء منزلة الكل ، فإذا قال : يدك طالق ، أو نصفك طالق ، كان كما لو قال : أنت طالق ، وإذا كان التقدير على هذا الوجه ، فلا حاجة إلى تقدير توجيه الطلاق على البعض والتسرية منه إلى الباقي . توجيه الوجهين : 9135 - من قال يقدّر فيه التَّسرية استدلّ بمقتضى اللفظ أولاً ، وبما استشهدنا به من التسرية في العتق .

--> ( 1 ) المرّتين : المرة خلط من أخلاط البدن ، وكان القدماء يعتقدون بأخلاط أو عناصر أربعة يجعلون لها التأثير في استعداد الإنسان ومزاجه ، وهذه الأخلاط هي الدم ، والبلغم ، والصفراء ، والسوداء . وكانوا ينسبون إليها فيقولون : دموي ، وبلغمي ، وصفراوي ، وسوداوي ( المعجم مادة : م . ر . ر ، م . ز . ج ) . وقال الإمام هنا المرتين من باب التغليب ، فهو يريد : الصفراء ، والسوداء ، والصفراء هي المرّة فسماهما معاً المرّتين . وهذا مفهوم من السياق ، حيث ذكر الدم من قبل ، وذكر هنا البلغم ، فلم يبق من الأخلاط - التي كانت معروفة عندهم - إلا الصفراء والسوداء ، فهما ( المرتين ) .